سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
الصدقة والقرض وثوابهما
ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلی الله عليه وآله أنه قال: (الصَّدَقَةُ بِعَشَرَةٍ وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ)(1).
عندما نتصدق بشيء في سبيل الله، فأقل ما يضاعفه الله تعالی لنا من الأجر، أن يُعطينا عشرة أضعاف ما أنفقناه، فإذا أنفقنا ديناراً واحداً في سبيل الله يعطينا بفضله وکرمه أجر عشرة دنانير، وهذا أقل الثواب طبعاً، لأن الله تعالى وعد في القران الكريم البعض من الناس بأکثر من ذلك (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ)(2).
هناك أحاديث کثیرة وردت عن المعصومین صلوات الله علیهم تدلّ علی أن الأجر یتضاعف بنسبة إختلاف من یأخذ الصدقة، والإختلاف یکون في نوع ذلك الشخص الذي ننفق علیه: أن یکون من الأرحام أو المرضی أو العلماء أم غیرهم.
فهذه الصدقة هي ما يُعطی في سبيل الله تعالى تصديقاً لقوله، والصدقة تُسترجع. والقرض يُسترجع أیضاً کما في الحديث المارّ (وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ) والظاهر إنّ أقلّه ذلك.
فعندما يتصدق شخص بدينار فإن أقلّ الضعف يكون عشرة أضعاف، وعندما يقرض شخصاً آخرَ ديناراً، يكون كل دينار بثمانية عشر دنانیر، وعلة ذلك أن الصدقة تقع بيد المحتاج وغير المحتاج، بینما القرض يقع بيد المحتاج غالباً.
والواقع أن هذا التحليل قد لايدور مدار الحكمة، فهذه ليست علّة تامة في مقدار الجزاء، فيمكن أن يستفاد، من أن يكون القرض بنسبة إختلاف المقترض إحتياجاً لكونه مريضاً أو رحماً أو كونه من الوالدين أو كونه من أهل العلم فربما يكون أكثر، لكن أقله يكون ثمانية عشر.
وبناءً علی ذلك قد يبلغ الأجر عشرين أو ثلاثين أو أربعين أو خمسين أو یصل إلی ألف، كما وردت روايات متعددّة في أنواع الصدقة، فليس هذا من باب القياس على الصدقة، لكن من باب الحكم والموضوع على حد تعبير العلماء.
أما الإقتراض فشرعاً مكروه بنفسه، وفمن أسبابه أن المؤمن إذا اقترض يقع في خجل المقترض منه، فلا يمكنه أن يؤدي القرض في الوقت المناسب.
وقد يكون الإقتراض لعمل مستحب، کمن یستقرض لبناء حسينية لإقامة مراسیم العزاء علی الإمام الحسين وأهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين فأصل الأمر مستحب.
وقد يكون الإقتراض واجباً إذا صار مقدمة وجود لواجبٍ مطلق.
موارد القرض الواجبة لإقامة الدين:
لنفرض أن هناك شخصاً مُعرّضاً للموت أو القتل، وهناك شخص آخر يستطيع أن ينقذه بالمال لیدفع عنه الموت المحتّم، لكنه لايملك المال الکافي، هل يمكنه أن يقترض؟
هذا الإقتراض بلا شك واجب مطلق، إذا توقّف الإنقاذ علیه، فهو یعدّ مقدمة وجود لواجب مطلق.
وهکذا بالنسبة لإقامة الدين، فهو واجب من الواجبات المطلقة على سبيل الكفاية، فعلى جميع المؤمنين والمؤمنات أن يساهم بما يمكنه لإقامة الدين بصورة دائمة.
ومثاله إقامة الخيمة ونصبها، فیجب أن يتعاون جماعة مع بعضهم لنصب الخيمة وقیامها، وأما قيام الدين، فالقران الكريم يقول (أَقِيمُوا الدِّينَ) بمعنى علی الجميع كفائیاً أن يعملوا علی إحیاء الدين في كل مكان وبقائه قائماً، فالدين عقائد وأحكام وأخلاق، والدين معناه أصول الدين.
وعلیه فالعمل علی إقامة الدين هو العمل علی إقامة أصول الدين من (توحيد وعدل ونبوة وإمامة ومعاد).
فإذا وجب إقامة الدين على نحو الكفاية، وجب علی الجمیع إقامة التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد.
فهذه العقائد المرتكزة في نفوس الناس هي أمر واجب بمقتضی الآیة المبارکة (أَقِيمُوا الدِّينَ)، فمقدمات وجود إقامة الدین تكون واجبة، أي بمعنى المقدمات المؤدية إلى أن يكون الناس معتقدين بوجود الله تعالى ووحدته وصفاته الثبوتية التي تلازم معرفتهم عن إعتقاد ويقين وعقيدة.
وكذلك الإعتقاد بنفي الصفات السلبية عن الله تعالى، والإعتقاد بنبوة الأنبياء وبنبوة خاتم الأنبياء صلوات الله عليه و عليهم أجمعين، والإعتقاد بعدل الله سبحانه وتعالى الذي هو من الصفات الثبوتية لله تعالى، وأن يعتقد الناس بالإمامة وهي إمامة الأئمة الإثني عشر المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) الذین هم خلفاء رسول الله صلوات الله عليه وآله، وأن يعتقدوا بالمعاد والنشر والحشر والحساب والكتاب والجنة والنار، فهذه العقائد جمیعاً يجب الإعتقاد بها، لأنها أصول الدين والقرآن يقول: (أَقِيمُوا الدِّينَ)(3).
إن العقائد أساس الدين ويجب السعي من أجل أن تقوم هذه العقائد في النفوس، کذلك بالنسبة للأخلاق والإسلام فهذه الأخلاق هي جزء من الدين فـ (اَلدِّينَ عِنْدَ اَللّٰهِ اَلْإِسْلاٰمُ)(4)، فيجب على الجميع كفاية السعي لإقامة الأخلاق لكي تكون الفضائل قائمة بالمجتمع.
أما الفضائل فقسم منها واجبات، في حین نری الرذائل هي من المحرمات، ولا إشكال أن تكون قائمة بين الناس، وأن يلتزموا بالفضائل الواجبة وأن ينتهوا عن الأخلاق القبيحة المحرمة. فهذا المقدار مسلم لا إشكال فيه.
کما أنّ الأحكام الشرعية علی هذا المنوال، وأما فروع الدين، فالدين يجب أن يكون قائماً، وبما أن فروع الدين هي قسم من الدين، فيجب السعي أیضاً لإقامتها، فهي واجبات ومحرمات هذا هو القدر المتيقن منه.
وهناك بحث علمي بالنسبة للمستحبات والمكروهات في الأخلاق والأحكام الشرعية،وهو بحث مختص في محله.
إذن يجب أن يكون الدين قائماً في کلّ الأحوال. فالمؤمنون والمؤمنات هم من يعمل علی إقامة الدين وإحیاءه، لأنهم من یعتقد بهذا الخطاب ومن یؤمن به.
وبالنتيجة يجب عليهم إقامة هذا الدين، فمن مقدمات وجود الدین، قيام العقائد وقيام الأخلاق الواجبة إيجاباً وسلباً، أو الواجبة فعلاً، أو الواجبة تركاً کما في المحرمات.
ویظهر من ذلك أن مقدمات وجود إقامة الدِين تكون کلّها واجبات كفائية، فإذا تحقق من فيه الكفاية لإقامة الدين في کلّ مکان سقط الوجوب عن البقية، وأما إن لم يكن الدين قائماً في كل مكان فإنه يكون واجباً مطلقاً على الجميع. فإذا فرّط أحدنا في هذا المجال يكون عاصياً، لأن الواجب الكفائي واجب عيني إذا لم يوجد من یقوم به كفايةً، فإذا صارت إقامة الدين واجبة فمقدمات وجوده الممكنة تكون واجبة مع ملاحظة أن لاحرج ولا ضرر.
المعصومون كانوا يقترضون لأمر الدین:
من مقدمات الوجود عادة ـ في كل زمان وبخصوص الجميع ـ هو الإقتراض لإقامة الدين بالمقدار الممكن، ولذا إذا تتبعنا ذلك في سیرة المعصومين عليهم الصلاة والسلام نری أنهم وکما رأیت في سیرة التواریخ والروایات أنهم أستشهدوا وهم مدینون للآخرین، فکان من یلیهم من المعصومین يؤدّون عنهم دَينهم، وأحياناً تكون الديون كثيرة، جلبت للمعصوم الذي یلیهم متاعب في أداء الدين.
الدَين في الواقع مكروه بما هو، لکنه إذا كان لجهة مرجحة أي رجحانه في باب التزاحم على الإصطلاح العلمي، فهذه الجهة تدفع الكراهة عنه، فلا يكون الدين مكروهاً، بل يكون مستحباً، فقد ورد عن رسول الله صلی الله عليه وآله أنه قال لأمير المؤمنين صلوات الله عليه: (ياعلي أنت قاضِ ديني)، فقضاء الدين يعني أداءه وليس المقصود به القضاء مقابل الأداء، كصلاة الليل التي تؤدى في وقتها أداءً وتسمى بعد وقتها قضاءً. فالقضاء من معانيه هو فوات الوقت، ومن معانيه نفي الأداء.
فعندما أستشهد رسول الله صلی الله عليه وآله كان مديوناً، وأدى أمير المؤمنين عليه السلام ديونه.
وورد أيضاً في الأحاديث والروايات الشريفة والتواريخ مكرراً أنه عندما أستشهد أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان مديوناً، مع أنه كان رئيس حكومة تبلغ أکثر من خمسين دولة في خريطة عالم اليوم. كان مديوناً بديون كثيرة، ولم يكن دينه شخصي كبناء القصور أو شراء الملابس أو ماشابه ذلك، بل كانت ديونه لإقامة الدِّين في المجتمع ونفي العوز عن المجتمع وإدارة المجتمع الصالح، وتكوين المجتمع الخيّر. ومن بعد إستشهاده أدّى عنه الإمام الحسن صلوات الله عليه ديوناً كثيرة شيئاً فشيئاً وفي فترات زمنية طويلة.
وذکرت التواريخ أیضاً أن الإمام الحسن عليه السلام عندما أستشهد كان مديوناً وأدى الدین عنه الإمام الحسين صلوات الله عليه.
وورد في التواريخ کذلك أن الإمام الحسين صلوات الله عليه عندما أستشهد كان مديوناً وأدى عنه ولده الإمام السجاد صلوات الله عليه ديونه شيئاً فشيئاً.
وورد أيضاً أن الإمام السجاد صلوات الله عليه عندما أستشهد كان مديوناً أيضاً. ویبدو أن الإمام الرضا صلوات الله عليه عندما أستشهد كان مديوناً أيضاً، لقد رأيت في کتب التأريخ والأحاديث الشریفة، أن أكثر الأئمة المعصومين عليهم السلام كانوا مديونين عند إستشهادهم.
فغالباً ما كانت ديونهم لإقامة المجتمع المتديّن وإقامة المجتمع الصالح أو لعله في بعض الأمور كانت مستحبات وليست واجبات.
عالمٌ اتّبع أهل البيت صلوات الله عليهم فاقترض:
الكراهة في الدَين بما هو دَين ولنفسه، لا لما طرأ عليه عنوان جانبي آخر.
لقد عاصرت وشاهدت مراجع تقليد ماتوا مديونين، لم تكن ديونهم لأمورهم الشخصية لمسكنهم أو لطعامهم أو لملابسهم، بل کانت ديونهم الواجبة لإقامة الدِّين. فبعضها مستحبة والأخری مكروهة.
نقل لي أحد التجار أن عالماً كان يسكن في مكان مُستأجراً، وکان لدي مال مخمّس.
فذهبت إلى هذا العالم، وقلت له: إن هذا المال مُلكي وطاهر وأدّيت خمسه وأنا أعطيه لكم بشرط أن تشتروا بهذا المبلغ داراً تسكنون فیها.
يقول التجار: فتبسم العالم وقال لي: أنت أعطني هذا المال وأنا أصرفه في موارد أولى من شراء الدار.
یقول التاجر: فرفضت إقتراحه وقلت له لا أعطي هذا المال، إلاّ إذا إشتريت بهذا المال داراً بدلاً من أن تستأجر مكاناً بين الحين والآخر!
يقول التاجر: فقال لي العالم: أنا قد استطيع العيش مستأجراً، لكنني الآن مديون بديون كثيرة، إستقرضتها من أجل إقامة الأمور الدينية، وأنت تعرف ذلك.
يقول التاجر، فقلت له: إذا لم يكن بحوزتك مال، فلماذا تستدين؟
وقصدت بذلك، إن كان لديك مال إعمل به في سبيل إحیاء الدين، وإن لم يكن لديك مال فلماذا تستدين؟
يقول التاجر، فقال العالم: أتعلم أن هناك أناساً كثيرين استدانوا لأمورهم الشخصية لسفرهم أو لشراء دار أو لعلاج مریض أو ما شابه ذلك، لکنهم لم يستطيعوا أداء دينهم. فهل یعاقبون علی ذلك؟!
فهذا حكم على خلاف صريح القرآن الكريم فالمديون الذي لایتمکن من أداء الدين لا يجوز سجنه، بل يُحرم سجنه.
كما أن الروايات المتعدده تقول إن المسؤول عن أداء ديون من لايستطيع أداء الدين ـ الذي لم يصرف أموال دينه بالحرام ـ هو الحاكم الإسلامي.
وقد أجمع علی ذلك جمیع طوائف المسلمين، وقالوا إن الحاکم الإسلامي هو من يقوم بأداء الدين عن المدیون، فإذا بقي منه دين من دون تسدید فعلى الإمام إثمه وهو الإمام الذي تجتمع عنده الأموال كما هو مذكور في بعض الروايات.
والنتيجة، ففي كثير من البلاد يسجن المديون الذي لم يتمكن من أداء ديونه.
ويقول التاجر قال العالم لي: أتعلم أن الكثير من المديونين استدانوا للأمور الشخصية ولم يتمكنوا أن يؤدوا ديونهم فسجنوا، وأما أنا فإني كلما استدنت لأمور الدين وإقامة الدين والخدمات الدينية وإرشاد الناس وهداية الكفار وجمع شمل المؤمنين لم أسجن إلى الآن! فلماذا لا استدين؟
يقول التاجر: ألح عليّ العالم وألح عليّ حتی أخذ المال لصرفه علی ديونه في خدمة الإسلام والدین.
نقول هنا: إن هذا العالم قد إتّبع في سلوکه رسول الله صلی الله عليه وآله وإتّبع أهل البيت صلوات الله عليهم، فقد يكون الشخص لايمكنه الإستدانه وإذا امكنه الإستدانة ـ إذا لم يكن فيها حرج وضرر ومن أجل إقامة الدين ـ فإنها ستكون واجبة.
قصّة ومسؤولية:
رأيت أحد الأشخاص كان وارثاً لأحد العلماء، فلما توفي ذلك العالم ترك دیوناً إستدانها لأمور دينية، وتبیّن أن الإرث الذي ترکه ذلك العالم لم یبق منه شيء بسبب الدین الذي خلّفه، لأن الإرث يحصل علیه الوریث بعد أداء ديون المُورِّث.
ولذا فإن الشخص الوارث لو إبتاع كل ممتلكات ذلك العالم حتى ملابسه التي کانت عليه لما سدّدت دیونه، لأن الدیون کما قلنا کانت أکثر من الإرث.
فعلى المؤمنين أن يعلموا أن هناك حاجة ماسة لإقامة الدِين في أي بلد كان سواء کان في بلاد المسلمين أو في غیر بلاد المسلمين کإقامة مؤسسات ثقافية ودينية وتبلیغیة، ویجب صرف المال للخطب والمجالس والكتب والإذاعات والفضائيات ووسائل الإعلام التي تقوم بإحیاء الدین وتسعی إلی إقامته.
فأي مقدمة وجود لإقامة الدين تكون واجبة إن لم يكن من یحقق من فیه الكفاية.
لذلك يكون واجباً في مثل هذه الأمور وإن لم يكن هناك محظور من حرج أو ضرر.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)فروع الکافي: الجزء 4، ص12.
(2)سورة البقرة: 261.
(3)سورة الشوری: 13.
(4)سورة آل عمران: 19.