LOGIN
المحاضرات
alshirazi.org
"سلسلة توجيهات سماحة المرجع الشيرازي دام ظله"
نبراس المعرفة: التأمّل
رمز 57305
نسخة للطبع استنساخ الخبر رابط قصير ‏ 8 رمضان العظيم 1447 - 26 فبراير 2026

سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.

بسم الله الرحمن الرحيم

هل یُعقل أن یكون هذا الكون بلا خالق؟

ورد في كتاب التوحيد عن الشيخ الصدوق رضوان الله عليه أنّ هشام بن سالم سأل هشام بن الحكم وكلاهما من أصحاب الامام الصادق عليه السلام، قال له: إذا سألني شخص بماذا عرفت ربّك، فبما أجيبه؟

أجابه هشام بن الحكم: تجيبه بدلیل نفسك. فالآیة المباركة تقول: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)1. فإذا تأمّل الإنسان في نفسه وعلِم بتفاصیل بدنه وبطریقة تركیبته، سوف یجد الله تعإلى في خلقه له ویؤمن به من خلال نفسه.

إنّ بدن الإنسان مركّب من  أجزاء وأعضاء وحواس عدیدة، كلّها تدلّ علی وجود الله الخالق، ومن حكمة الله أنّ تلك الأجزاء والأعضاء والحواس تختلف من شخص إلى آخر، وهذا الاختلاف هو نتيجه التباین في الجسم والبُنية والأجواء المحيطة بالإنسان. فمثلاً حاسّة السمع تقوى عند الإنسان الأعمی فيلمس الأشیاء بصورة دقيقة جدّاً. ولا یقتصر التفاوت في الحواس فقط بل یشمل جمیع الأجزاء الأخری من جسد الإنسان ومنها كليته وقلبه وكبده ومعدته وأمعاءه ومنها طول الإنسان وعرضه وحجمه وقوّته البدنیّة وما أشبه ذلك .فلو تأمّل الإنسان قليلاً في نفسه، لعلم أنّ هناك خالق عظیم منحه الحواس الدقیقة والأعضاء وجعلها مختلفة من شخص إلى آخر لحكمة لا یعلمها إلاّ هو. فهل يمكن أن يكون الإنسان بلا صانع وبلا خالق حليم عليم. والجواب، كلاّ لا یمكن أن یكون المخلوق بلا خالق، لأنّ الإنسان لا يصدّق إذا رأی قطعة سلك كهربائي صغیرة مرمیة في الشارع ویُقال له أنّ هذا السلك وُجِدَ من تلقاء نفسه وهو بلا صانع، فكیف بإنسان خُلِق بالتركیبة المعقّدة في شكله وتركیبته وحواسه وأعضاءه وخلایاه وشرایینه وأعصابه وعروقه، فهل یُقال لمثل الإنسان المخلوق بالتركیبة المعقدّة أنّه وُجد من تلقاء نفسه ومن دون خالق؟ وهل یُصدّق العقل البشري أن تكون النملة الواحده الحيّة أو الميتة جاءت من تلقاء نفسها ومن دون خالق لها؟

لقد أشار هشام بن الحكم الى بدن الإنسان لأنّ كل شخص بصیر بنفسه ویعلم ببعض ما یجري في داخل بدنه وخارجه، وهذا العلم القلیل یدفع به إلى الإیمان بوجود خالق عظیم مدبّر للكون.

هل الكون وُجد بالصدفة؟

افترض أحد العلماء الماضين قبل حوالي مئة عام تقریباً في إثبات وجود الله، أنّه إذا كانت هناك سیّارة دخلت المدینة من الصحراء، وسارت في شوارعها الملتوية ولم تصطدم مرّة واحدة لا بحائط ولا بشخص، ثم ركنت في مكان ما، فهل یصدّق العقل البشري أنّ هذه السیارة صُنعت من تلقاء نفسها بالصدفة وليس لها صانع؟ وهل یُعقل أنّ السیارة مزوّدة بنظام نشأ بطریقة عفویة من دون تدخّل الإنسان بحيث لا تصطدم مع أي شخص ولا بأي حائط خلال مسیرتها في الطرق الملتوية؟

إذا لم يصدّق العقل البشري وجود سلك كهربائي صغیر وتافه أو سيّارة موجّهة من دون سائق من تلقاء نفسها تجوب المدینة من دون حادث، فكيف يصدّق أن یُخلق النظام الكوني العظيم من دون خالق وبالمنظومات الشمسية والمجرّات الكبيرة والصغیرة؟ أم كیف یرضی العقل البشري بخلق الصدفة للبحار والمحيطات الضخمة وما تحتوي من كائنات بحریة وأسماك متنوّعة وصحارى شاسعة ورمال لا یمكن عدّها لكثرتها؟ وكیف یصدّق أن تحتوي الأجواء مليارات الطيور المتنوّعة كالعصافیر والبلابل والزرازیر والنسور وغیرها؟ وكیف یصدّق أن تضم الأجواء مئات الملیارات من الحشرات المختلفة من بعوضة وفراشة وجراد وذباب وما أشبه من دون خالق؟ فهل يمكن أن يصدّق بأنّ الكون كلّه بلا خالق عليم حكيم وهو بالدقّة المتناهیة وبالحجم الكبیر؟

تسير المنظومة الكونیة بدقّة متناهیة بحیث لا تصطدم الشمس بكُرات أخرى ولا يصطدم القمر بكرات منظومته، فهناك جاذبیة ضخمة هي التي تحفظ الأجرام السماویة الضخمة من الإصطدام، بعضها ببعض، فهل یعقل أن تكون الدقّة المتناهیة بلا صانع؟ وأن تكون الجاذبیة بحساباتها الدقیقة قد جاءت عن طریق الصدفة؟

من أدلّة وجود الصانع الحكيم

لا یوجد شخصان من البشر بمواصفات واحدة، فلو أجرینا دراسة علی شعر الإنسان مثلاً لوجدنا أنّ كل شعرة في بدن الإنسان لا تتشابه مع الأخری، فأصحاب الاختصاص يقولون لا توجد شعرتين متشابهتین وإن كانتا قريبتين مع بعضهما بفاصل جزء من ألف من السانتيمتر، فكلّ شعرة تختلف عن الاخرى وإن كان الرأس والبدن یضمّ الألوف من الشعرات، فهذه الألوف هي ألوف الأقسام والأنواع كما يقول أصحاب الاختصاص.

كذلك البصمات تختلف من شخص لآخر،‌ فلا یوجد إثنان تتشابه بصماتهم مع بعض، حتی وجوه الناس وإن تقاربت في الشكل لكنها تختلف في التفاصیل والدقّة إذا ما دقّقنا فیما بینها، والاختلاف یكون في العين أو الحاجب او الأنف أو في أشفار العين أو في الشارب أو في اللحية أو في الجبهة أو في أطرافها أو في الحجم أو اللون وعشرات الفروقات الأخری. وكل ذلك يجعل الإنسان يتيقّن بكل تأكيد وإصرار أنّ ذلك التباین لا يمكن أن يكون بلا صانع حكيم فكيف بمجموع ذلك كلّه.

لقد قرأت ذات مرة قبل حوالي خمسين عام أنّ علماء الفلك الذين يبدؤون بدراسة عالم الأفلاك، يبدؤون وهم ملحدون، لكنهم فیما بعد یؤمنون بالله الحكيم القدير عندما یتأمّلون في العالم المذهل الكبیر. ویزداد إیماننا إذا ما نظرنا إلى مخلوقات الله تعالى، كم ملیار من أوراق الأشجار توجد في العالم؟ وكم ورقة تسقط في إلىوم؟ وكم ورقة تسقط في العام؟ وكم ورقة قد سقطت منذ أن خلق الله تعإلى الشجر؟

یقول علماء الطبیعة لا توجد ورقتين متشابهتین من جميع الجهات علی الإطلاق، فيمكن أن نری من النظرة السطحية الأولی تشابه ورقتین لكنّه عندما نجعل الورقة تحت المجهر ونكبّرها ملايين المرّات نجد هناك العديد من الفوارق والاختلافات التي‌لا تُری بالعین المجرّدة وإن تشابه الشكل الظاهري بالعین المجرّدة.

البحث عن يقين

يقول تعإلى في سورة الذاريات: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ). فالذي یرید أن یبني علمه علی اليقين لا على الشكّ، یجد في الأرض لوحدها آيات عديدة، في كل حبّة رمل أو تراب وفي كل ورقة تسقط على الأرض.

نحن نمتلك في الزمان الحالي وسائل حدیثة یمكن أن نمیّز بها الميكروبات الدقيقة، وبهذه الوسائل نری، أیضاً، بدن الإنسان یحتوي على آلاف الشعیرات، وكل شعرة بمثابة‌ نخلة باسقة،‌ والمسامات التي تخرج منها الشعرة هي منفذ لخروج أنواع السموم من البدن،  فلو دقّق الإنسان في الشعرة الواحدة من البدن لكان ذلك دليل وجود الله الصانع الحكيم الدقیق، فقد وصف الله تعإلى نفسه في القرآن الكريم بـ(اللطيف) بمعنى الدقيق وهذا إحد معاني اللطیف، (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ) لذا فإنّ الإنسان اذا تأمّل في المخلوقات سوف يكون على يقين أنّ وراء كل الخلق الموجود وكل المخلوقات الموجودة، خالق عظیم وإله قدير حكيم، فسبحان الله علی ما یصفون.

المصادر:

1.الذاريات: الآيتان 20،21.