سلسلة توجيهات المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الموسومة بـ(نبراس المعرفة)، التي يتطرّق فيها سماحته إلى المواضيع الدينية والعقائدية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن جوانب من السيرة الوضّاءة للمعصومين الأربعة عشر صلوات الله عليهم وعظمة الإسلام وجماله، وأنّ به تسعد البشرية في الدارين، وغيرها.
بسم الله الرحمن الرحيم
دين الرحمة
ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلي الله عليه وآله أنّه قال: (لولا أنّي أكره أن يُقال أنّ محمّداً استعان بقوم حتى إذا ظفر بعدوّه قتلهم ـ لضربت أعناق قوم كثير)1.
إنّ صفة الرحمة التي تعني الرأفة واللين في التعامل مع الآخرين سواء كانوا بشر أم مخلوقات أخرى، لها أهمية خاصّة في الإسلام، وهذه الأهمية لا نظير لها في الديانات الأخرى. فالرحمة في الإسلام هي منطلق التعامل مع الآخرين وهي الكلمة التي تشمل أيّ تعامل، فالإسلام دينٌ بُني على الرحمة والشفقة. فمن مظاهر الرحمة العطف على الآخرين وعدم إيذاء أحد وكفالة الىتيم وما أشبه ذلك. فالإسلام هو دين الرحمة، والنبيّ صلى الله عليه وآله هو نبيّ الرحمة، والتأريخ الإسلامي يحتوي في طياته على مشاهد عظيمة من الرحمة. فلو أجرينا مقارنة بين الدين الإسلامي وبقية الأديان السماوية الأخرى لوجدنا أنّ دين الإسلام هو الأول بين بقية الأديان في سعة رحمته ورأفته مع معتنقيه وحتى مع غير معتنقيه. ومن يقرأ تاريخ الأنبياء يرى أنّ نبيّنا من أكثر الأنبياء رحمة مع الآخرين. ومن يطالع الكتب السماوية يجد أنّ القرآن الكريم ينفرد في صفة الرحمة، حيث افتتح كتابه المجيد بعبارة الرحمة (بسم الله الرحمن الرحيم)، وتتكرّر البسملة في جميع السور القرآنية حتى السورة التي لها آيات ثلاث وأربع أو خمس ما عدا سورة واحدة.
إنّ التركيز على الرحمة والابتداء بها وممارستها علي جميع الأصعدة هو دليل بين وبرهان واضح بأنّ رحمة الله وسعت كلّ شيء، وأنّ الإسلام يعتبر الرحمة منطلقاً له في كلّ الأعمال.
لم يحاسب المستحقّ للقتل
هناك أناس يستحقّون القتل بمنطق العقل وربما يستحقّونه أيضاً بمنطق السياسة والإدارة وجميع قوانين العالم الىوم، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله ورغم ذلك الاستحقاق لم يبادر إلى قتلهم كي لا يتوجّس الناس خيفة من الإسلام ولايملأ الرعب نفوسهم وقلوبهم. ولذلك نرى الناس في عهد رسول الله أمِنوا من الخوف بما فيهم أعداء الإسلام. حتى الذين عبؤوا طاقاتهم لحرب الإسلام وجنّدوا قواهم لضرب الرسالة المحمدّية وحاولوا اغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله في الحرب وفي غير الحرب، في مكّة المكرّمة وفي المدينة المنوّرة، حتى هؤلاء لم يتوجّسوا من الإسلام خيفة، لأنّهم سمعوا قول النبي: (لولا أنّي أكره أن يقال أنّ محمّداً استعان بقوم)، بمعني أن لا يتصوّر بعضهم أنّ النبي عندما كان ضعيفاً تخلّى عن قوم كان قد استعان بهم في بداية الدعوة، وإن كانوا من الذين أسلموا عن نفاق وطمع، وظاهرهم الإسلام وباطنهم النفاق. كلاّ فإنّ النبي لم يتخلّى عن الذين أظهروا الإسلام بلسانهم، وأبطنوا الكفر في قلوبهم، وإن كانوا يستحقّون القتل حسب منطق العقل وحسب منطق الآخرين.
بلى، إنّ اولئك كانوا يكيدون بالإسلام ويحاربونه ويخطّطون لهدمه وضربه من الجذور كلّما سنحت لهم الفرصة، وهؤلاء حسب القوانين السياسية الحإلىة يرتكبون (الخيانة العظمى). والسؤال هنا: ألا يستحقّ القتل مثل اولئك؟ وبالطبع إنّهم يستحقّونه، لكن رسول الله كان يقول: أنا لا اقتلهم، لأنّي أكره أن يُقال أنّ هذا النبي قاسي القلب وليس نبي رحمة، أو يقال أنّه استعان بقوم أسلموا في ظاهرهم وأبطنوا الكفر في باطنهم، فلما صار قويّاً، استغنى عنهم وقتلهم.
لقد أسقط النبي صلى الله عليه وآله بعمله الدعاية السوداء التي تهدف إلى بثّ أقاويل كاذبة، مفادها أنّ النبيّ لا يرحم وليس في قلبه شفقة وحنان.
بماذا تميّزت حكومة الإسلام؟
لو تصفّح الإنسان تاريخ حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وتاريخ حروبه، لوجد فيه عشرات الحروب فُرضت عليه عنوةً بكل أنواعها وأشكالها، فتارة حارب صلى الله عليه وآله المشركين ببدر وغيرها وتارةً حارب جبهتين متّحدتين قامتا ضدّه، وتارةً ثالثة حارب عدّة جبهات تشكّلت من المشركين والنصارى وإلىهود، وجميع تلك الحروب كانت دفاعية ومفروضةً على رسول الله، وكانوا يستخدمون فيها المرتزقة من البدو ويمنعون فيها الماء ويثيرون فيها الفتنة والدعاية لتحقيق أهدافهم. ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وفي كل تلك الحروب عمِل بمظاهر الرحمة والأخلاق وكان ذلك بادياً على تعامله مع العدو. وهكذا تبعه أمير المؤمنين صلوات الله عليه الذي هو نفس رسول الله بنصّ القرآن الكريم في حروبه الثلاث التي فرضت عليه (الجمل والنهروان وصفين)، وهذا فريد في التاريخ.
الذي يقرأ تاريخ الحروب في العالم قديماً وحديثاً، قبل الإسلام أو بعد الإسلام من أمثال حكومات بني اُميّة وبني العباس التي حكمت باسم الإسلام، يرى عندما تنتهي الحرب تمتلأ السجون ويمارس التعذيب والتنكيل ويقتل الأسرى وأمثال ذلك، لكن ما يميّز حروب رسول الله صلى الله عليه وآله عن قبله هو تعامله برحمة حتى مع أسراه الذين جاؤوا لحربه، وهذا ما يكشف عن بُعد هذه الظاهرة الرحيمة.
أحصاه المؤرّخون
لقد أحصى المؤرّخون عدد القتلى في كل الحروب الدفاعية التي خاضها رسول الله صلى الله عليه وآله من أولها وحتى آخرها، فوجدوا أنّها كما نقلته كتب الفريقين، الموافقة لأهل البيت عليهم السلام والمعادية لهم، لا تتجاوز الألف قتيل. وهذا العدد لم يك كبيراً بالنسبة إلى الإسلام الذي قام بأحضان الشرك في شبه الجزيرة العربية حيث كانت مكّة المكرّمة عاصمة للمشركين، فابتدأ الإسلام بذلك المكان الصعب وتألّبت الأقوام المختلفة على رسول الله، لكنّنا مع ذلك نرى أنّ عدد القتلى في جميع حروب رسول الله صلى الله عليه وآله لا تتجاوز ذلك العدد. وحتى الأعداد المُبالغ فيها وهي الألف وخمسمئة قتيل لم تك كثيرة بالنسبة إلى الظروف الصعبة، في حين نرى أوائل حكم بني اُميّة الذين حكموا باسم الإسلام، أنّ حرباً واحدة فرضت على أتباع أمير المؤمنين عليه السلام في اليمن راح ضحيتها أكثر من ثلاثين ألف قتيل! وهي الحرب التي شنّها معاوية بن أبي سفيان وبعض عمّاله على شيعه أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وحرب أخرى شنّها ابنه يزيد في قصّة الحرّة وكانت ضحاياها بالألوف واستبيحت فيها الحُرمات.
انتفاضة الإسلام العظيمة
إنّ من عادة الثورات إذا حدث فيها اختلاف، يقوم قادتها بقتل بعضهم بعضاً بذريعة الخيانة والانحراف عن مسار الثورة، فهناك مَثل يقول إن (الثورة تأكل أبناءها). ولكنّنا لم نجد مثالاً واحداً لذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله لذلك المعنى و(انتفاضته المباركة) ضدّ الظلم والطغيان والكفر والشرك لم تأكل أبناءها، مع أنّها كانت كثورة شاملة ضدّ العقائد الفاسدة الهدّامة وثورة ضدّ عبادة الأوثان والأصنام التي كانت تصنع من الحجر أو الذهب أو الحديد وحتى من التمرّ، ومع أنّ رسول الله جاء في انتفاضته بدين جديد متكامل في العقائد والسلوك وطريقة العبادة. فهل هناك ثورة بهذا الحجم قد غيّرت مجرى التأريخ في جميع الجوانب وتكون لها تضحيات بتلك النسبة القليلة؟
إذا لاحظ الانسان الثورات التي وقعت في التأريخ التي لا تعدّ شيئاً بالنسبة إلى انتفاضة الإسلام المحمّدية، لوجد أنّ أعداد الضحايا في تلك الثورات كثيرة جدّاً بالنسبة إلى انتفاضة الإسلام، وهذا ما يجسّد لنا ويبيّن رحمة الإسلام ورحمة نبيّه صلى الله عليه وآله. فعندما يقرأ الإنسان الثورات التي وقعت في النصف الأخير من القرن الحالي سواء التي وقعت في البلاد الإسلامية أو في غير الإسلامية يرى كل تلك الثورات قد أكلت أبناءها وقتلت رموزها وقادتها وأصابها الانحراف عن مسير الثورة والأهداف التي قامت لأجلها، ولذلك نرى المشانق والسجون المكتظّة والمذابح منتشرة بالألوف بل وعشرات الألوف. ولذا نرى وسائل الإعلام تنشر في الفضائيات والصحف والمجلاّت ومنذ الحرب العالمية الثانية، نرى أخبار القتل والدمار التي خلّفتها تلك الحروب الناجمة عن تلك الثورات. وكذلك اليوم نشهد في منطقتنا حروب كثيرة بسبب ثورات عابرة وقعت في هذا وذاك البلد.
لكن ذلك لم يحدث في انتفاضة الإسلام ولم تُرتكب المجازر لأنّ رسول الإسلام صلى الله عليه وآله لم يقتل من يستحقّ القتل بتهمة الخيانة أو النفاق أو غير ذلك، مع أنّ هذه الأمور طبيعية في زماننا بمنطق أهل السياسة.
إذا عرف العالم حقيقة الإسلام
مما يؤسف له أنّ العالم لا يعرف حقيقة الإسلام والمفاهيم السامية التي نزل بها إلى البشرية والناس بشكل جيّد، حتى المسلمين الذين هم أقرب الناس إلى هذا الدين الحنيف هم كذلك لا يدركون حقيقة الإسلام كما هو مطلوب، فلو علم الناس بحقيقة هذا المعنى لأقبل الكثير منهم إلى اعتناق الإسلام ولأقبلت الكثير من الدول والأنظمة إلى شريعة الإسلام وعملت بقوانينه. وحتى رجال السياسة في العالم اليوم، لو اطّلعوا على واقع الإسلام ومدى تنظيمه للحياة البشرية وللحكم والإدارة لأقبلوا عليه. وهكذا علماء الاجتماع لو علموا بقدرة الإسلام على إدارة المجتمع وتنظيم طبقاته لاستلهموا منه أفكارهم ورؤآهم. فلو علم اولئك جميعاً بحقيقة الإسلام لما تخلّوا عنه.
إنّ السدّ الوحيد الذي يقف حائلاً ويمنع من تطبيق الإسلام هو الجهل به، فلو زال هذا الجهل لاعتنق الناس دين الإسلام ودخلوا فيه زرافات ومجاميع كما يقول القرآن الكريم في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله: (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا)2، ولدخل الملايين وعشرات الملايين بل ومئات الملايين من البشر إلى الإسلام.
لذا على كل واحد من المؤمنين والمسلمين والمؤمنات والمسلمات، أن يتحمّلوا مسؤولياتهم في رفع الجهل عن الإسلام والتعريف به إلى العالم، ونشر سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله الصحيحة لا المزيّفة، حتى ينعم الناس بالخير والرحمة وينحسر عن الناس الضلال والخوف وعدم الثقة الذي يسود العالم اليوم.
المصادر:
1/بحار الأنوار المجلّد 22 ص 141 عن كتاب الروضة:345.
2/سورة النصر: الآية2.